الامير اسماعيل جول بك

يعتبر الامير اسماعيل جول بك الذي عاصر مطلع القرن الماضي بكل تطوراته السياسية رائد حركة النهضة الاجتماعية الايزيدية، فهو أول من شجع الايزيدية على الالتحاق بالمدارس والارتشاف بينابيع العلم والمعرفة، إذ كانوا خوفا من تأثير الاسلام على اولادهم يمنعونهم من التعليم. وهو أول ايزيدي كتب سيرة حياته مستذكرا الاهوال والمصاعب التي لاقاها في حياته من أجل قضية كان يؤمن بها ويدافع عنها بكل قوة، ورغم انه غبن أكثر من مرة من عائلته اولاً ومن بني جلدته ثانياً لكنه لم يتوقف حتى مماته من نضاله. فالذي يطلع على تاريخ حياة اسماعيل بك يقرأ أحداثاً حافلة عاصرها الايزيديون في بدايات القرن الماضي.

 ولد الامير اسماعيل جول بك في فترة حساسة من تاريخ الدولة العثمانية. إذ كانت الامبراطورية العثمانية او كما سميت انذاك ب(الرجل المريض) تحتضر في احضان التطور والنهضة العلمية والسياسية والثقافية الاوروبية. وكانت الاحداث تتلاحق تلو الاخرى والاقليات الدينية في الدولة العثمانية وخاصة المسيحيين واليزيديين يتعرضون لحملات الابادة... ثم اخذت الاقدار تجر العالم نحو القتال الدامي لتصفى بتقاسم تركة الرجل المريض من اراضي وبقاع الشرق الاوسط مابين دول الحلفاء. وما أن وضعت الحرب العالمية الاولى أوزارها حتى تسارعت الشعوب توزع في خرائط وفق معايير مختلفة.

أما اليزيديون فلم يكونوا يدركون من العالم الخارجي سوى حملات ابادة وقتل جماعي تعرضوا له على ايدي العثمانيين، وحملات السفر بر التي كانت تطول شبابهم... والانعزال الذي فرض عليهم فحرمهم من العلم والمعرفة والاختلاط بالناس والمجتمعات الاخرى.

في هذه الفترة بالذات ولد الامير الصغير، ولم يفتح عينيه على الدنيا بعد، حتى صار يتيم الابوين.  ورغم انه كان أبن عم الامير اليزيدي علي بك، واخو زوجته ميان خاتون. لكنه قاسى ما قاساه. فكانت قسوة الحياة هي التي تشحذ شخصيته. كانت فطرته هي التي تقوده الى الدخول في مختلف المغامرات. وكان ذكاءه يخلصه من شتى المواقف المحرجة التي كتبها في سيرة حياته.

لم يقف اليتم أمام رغبته في الحصول على حقه من واردات بيت الامير. ولم تكن وحدته دون سند او عون لتقف حاجزا أمام روح التحدي التي امتلكها.

ويبدو ان عشق السفر الذي كان يلزمه طوال حياته واحدا من العوامل التي شجعته على ان يخوض مختلف التجارب. ولكن ليس هذا فحسب، بل سعيه لكي يثبت وجوده في المجتمع اليزيدي، ربما هدفا منه لكي يثبت استحقاقيته في ان يكون الامير، او على الاقل ان يشارك ابن عمه في قيادة المجتمع اليزيدي. ولكن يبدو ان المجتمع اليزيدي الذي كان يعاني مختلف ظروف الجهل والتخلف، لم يكن يستوعب شخصية اسماعيل بك. وربما لم يفهم اهدافه ولم ينصفه اليزيديون إلا ما ندر. ويمكن ان يقال ان اسماعيل بك كان رجلا سبق عصره بكثير فلم يستوعبه ابناء جيله.

ويمكن تلخيص حياة اسماعيل بك في عدة مراحل هامة:

1.    مرحلة الطفولة والشباب من شقاء وفقر: لكن هذه المرحلة كونت شخصيته القوية، حتى انه تزوج من حبيبته بالقوة رغم اعتراض ابيها بسبب فقره- ورغم عدم مساندة ابن عمه الامير الحاكم له في الموقف. لكنه اراد ان ينال ما يريد، مهما كانت الظروف.  

2.    ثم تأتي مرحلة السفر باحثا عن الذات. حيث نعتقد ان رحلته للبحث عن اخيه الاكبر المريض والسفر اليه الى سوريا ولبنان مرورا بتركيا إذ كان سير القوافل والرحلات اواخر القرن التاسع عشر بذلك الشكل بين سوريا والعراق- هي التي اعطته حافز ان وجوده يمكن ان يتثبت من خلال السفر الى مناطق تواجد اليزيديين في مختلف بقاع العالم، وبشكل خاص في قفقاسيا. فوجد انه يستطيع ان يكون له شخصية مستقلة عن ابن عمه. وتعامل معه اليزيديون خارج العراق، تعاملهم مع الامير.

3.    مرحلة التعرف على الارمن ونفوذهم: والاستفادة من ذلك النفوذ حيث تم الاعتراف باليزيدية رسمياً في روسيا. والاستفادة من سلطة الارمن والمسيحيين في استانبول لكي يقوم باسترجاع حقوق اليزيدية، ومقدساتهم التي نهبها الفريق عمر وهبي باشا اثناء حملته المشؤومة عام 1891.

هنا ورغم نجاح اسماعيل بك في مهمته وحصوله على الموافقات الرسمية من استانبول، يدخل علي بك الخط، وتدخل الانانية في قلبه والخوف من ان تصبح هذه الحادثة فرصة لاسماعيل بك لكسب قلوب اليزيديين وكسب تأييدهم للحصول على حقوقه. فيمنع علي بك اتمام موافقة استرجاع المقدسات اليزيدية، وبذلك يرتكب جريمة تاريخية ليس بحق ابن عمه اسماعيل بك، بل ايضا بحق اليزيدية، الذين لم يسترجعوا فيما بعد سوى بعضا من مقدساتهم. والبقية اختفت.

4.    مرحلة ابادة الارمن والمسيحيين في الدولة العثمانية: يتخذ الامير اسماعيل بك واليزيديون في سنجار موقفا مساندا وحاميا للارمن ويخلصونهم من الموت والقتل الجماعي، كلما استطاعوا اليه سبيلا. ويصبح هذا العون ارضية جيدة لتوثيق العلاقة بين اليزيديين والمسيحيين. وايضا سببا قويا لاهتمام الانكليز باسماعيل بك وسنجار في بداية الانتداب البريطاني. 

5.    مرحلة الانتداب البريطاني: يلعب الامير اسماعيل بك دورا قويا اثناء الاحتلال البريطاني. ويعمل لصالحهم حاله حال الكثير من رجالات العشائر العراقية من اجل التخلص من الكابوس العثماني. وفي هذه الاثناء تزداد قيمته ونفوذه في العراق. وتصبح له اهمية كبيرة بين السلطة الجديدة. لكنه يكتفي بالمطالبة بحقوقه من خيرات اليزيدية دونا عن اي منصب سياسي اخر في العراق، تلك الحقوق التي كانت اخته ميان خاتون وابنها سعيد بك (ابن علي بك) قد استولوا عليها وحرموه منها. وهنا تصبح قاعدة اسماعيل بك في سنجار. ويصبح اميرا هناك. لكن عيونه تبقى مشدودة الى لالش.  

6.    مرحلة مواكبة العصر: يدرك اسماعيل بك في هذه الفترة وبعد كل الاهوال والرحلات التي رآها في حياته ان اهم شئ في حياة اي مجتمع هو ان يتعلم ابناءه. فلا يرسل ابنه فقط الى المدرسة بل يدخل بناته ايضا في المدارس. واينما كان يذهب يشجع ويحلل ذهاب اليزيدية الى المدارس، بدليل انه حلل الدراسة في روسيا. رغم تحفظ اليزيديين الذين كانوا الى تلك الفترة يمنعون ابناءهم من الدراسة خوفا من ان يكون هناك تأثير الافكار الاسلامية في عقول الاطفال، خاصة ان معظم المدارس كانت الى تلك الفترة مدارس دينية اسلامية.

7.    مرحلة النفي: واخيرا حتى اصدقاءه الانكليز يتخلون عنه ويقفون الى جانب سعيد بك، وميان خاتون درءا للمشاكل ونتيجة وقوف بعض رجال العشائر المتملقين الى جانبهم ضد اسماعيل بك. لينفى اسماعيل بك الى بغداد. ويبعد عم قضايا اليزيدية تماما. ويعتكف الامير اسماعيل بك لاحقا في سنجار مكبل اليدين لايستطيع ان يتحرك بسبب فرض شروط الاقامة عليه، وهي ان لايطالب ابن اخته باي شئ، شرطا للعودة الى الوطن (سنجار).      

 قصة حياة اسماعيل بك، ليست قصة حياة رجل عادي. وهي ليست قصة امير سلبت منه حقوقه. بل قصة تحكي جريمة لم ترتكب بحق هذا الرجل فقط، وانما بمستقبل اليزيدية الذي لايزال الى هذه اللحظة غامضا.

فلو راجعنا ماحصل منذ العشرينات ولحد اليوم حيث الامير الذي بدأ نهضة كبيرة بين ابناء قومه قد نفي من بينهم- واستولى على الامارة اشخاص لم تحركهم ولو بحد قشة مشاعرهم نحو النمو والتطور اليزيدي، إلى درجة اننا في القرن الواحد والعشرين ولايزال يتاجر بمقدسات اليزيدية ولايزال يتاجر بمصيرهم. ولو حلمنا ولو للحظات ... كيف كان مستقبل هذه الديانة سيكون، لو ان ذلك الرجل قد اصبح اميرا.. ولو ارسل جميع اطفال اليزيدية منذ العشرينات الى المدارس، ولو ادخل اصلاحات جذرية في بعض الامور اليزيدية.. هل كنا سنتباكى اليوم على ضعفنا السياسي والاجتماعي. وهل كنا سنبكي على حقوقنا المهضومة في عصر حقوق الانسان..؟

 هذا السؤال يجيب عليه شخص واحد فقط، بعد ان يراجع تاريخه ويقارن ما فعله طوال فترة تاريخه ولحد اليوم... مع ما فعله اسماعيل بك رغم ظروفه وكل الظلم والاضطهاد.

 اننا وجدنا نشر هذا الكتاب  بقلم الدكتور قسطنطين زريق، احد اساتذة التاريخ الشرقي في جامعة بيروت الامريكية لسنة 1934، ولابد ان نذكر اننا نشرنا الكتاب كما كتبه الكاتب وكما اشار في مقدمة كتابه بقوله: (كان همنا الاول ان نحافظ على الاصل جهد المستطاع. فلم نحاول ان نصلح لغة اسماعيل بك بل ابقيناها على طبيعتها وسجيتها كي لانقف حاجزا بين القارئ والمؤلف ولانعكر صفاء الصورة الاصلية التي نعرفها الى القراء.. وقد حافظنا ما امكن حتى على خصائص كتابته، او بالاحرى كتابه الذي كان يخط ما يملي عليه. فاذا كانت لنا تعليقات او تصحيحات اشرنا اليها في الهامش، او ادرجناها في المتن واثبتنا الاصل في الهامش، او اكتفينا بوضعها في المتن ضمن حاصرتين ()). بقي ان نذكر بان الامير المرحوم كانت له رغبة وامنية ان يرى سيرة حياته قد نشرت في مجلة (الكلية) المجلة التي كانت تصدر من الجامعة الامريكية في عهد الدكتور بايرد ضودج. ولما احتجبت هذه المجلة عن النشر اوعز رئيس الجامعة بنشر حياة اسماعيل بك في كتاب خاص اتماما لرغبته. وما كادت الفرحة ان تكتمل عنده برؤيته سيرة حياته في كتاب حتى وافاه الاجل وانتقل الى رحمة الله. ولهذا نعتبر اعادة نشر الكتاب على الانترنيت ضرورة تاريخية تخليداً لما قام به الامير اسماعيل بك امير اليزيدية في سنجار من كفاح ونضال من اجل مبادءه.